محمد أحمد خلف الله

106

الفن القصصي في القرآن الكريم

وكلما طال على الأغنياء الأمد وامتد بهم الزمن تولّدت في نفوسهم محبة الحياة وقويت في نفوسهم الأثرة وخيّل إليهم أن قد كتب لهم الخلود . قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً « 1 » . ومن هنا نرى القرآن يعمد إلى تخويفهم وزعزعة هذه الأسس من قلوبهم وعقولهم فيلفت ذهنهم إلى أنه يأتي الأرض ينقصها من أطرافها بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ « 2 » . وإلى أن عذابهم في الآخرة سيكون قويا عنيفا حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ * قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ « 3 » . أما الفقراء فيسيرون على العكس من هؤلاء في هذه المواطن فهم قد سلّط عليهم الزمن وألهبتهم ضرورات الحياة ففكّروا في أمورهم وتمنّوا حالة أسعد من حالتهم وراموا سهل العيش ولين الحياة فما إن دعاهم الداعي حتى لعب خيال المستقبل بعقولهم وقلوبهم وقاربت الآمال أن تصبح حقائق ومن هنا يستجيبون لعل السعادة أن تقبل بعد إدبار ولعلها أن تلازمهم بعد أن ملّوا الفراق وطول الانتظار . والغنى يدفع إلى الكبر والاستكبار والعناد : وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 4 » ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى « 5 » ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً « 6 » . والمتكبّرون عادة يضيقون بالدعاة وينالونهم بالأذى حتى ولو رأوا أن ما جاءوا به هو الحق

--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآية 18 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية 44 . ( 3 ) سورة المؤمنون ، الآيات 64 - 67 . ( 4 ) سورة الجاثية ، الآيتان 7 - 8 . ( 5 ) سورة العلق ، الآيتان 6 - 7 . ( 6 ) سورة المدثر ، الآية 16 .